من سلسلة: حلب في ميزان التاريخ والتحولات الفصل الخامس هل تعلم لماذا كل هذه الحرب على حلب ومحاولة تهميشها منذ مايزيد عن مائة سنة حتى اليوم ؟ هل كان سر حلب أنها مدينة رباط؟ ليست المدن في تاريخ الأمم سواء. فمنها مدن بنيت للتجارة، ومنها ما نشأ للزراعة، ومنها ما قدر له أن يكون ثغرا يحرس الحدود، ويقف في وجه الغزاة جيلا بعد جيل. وحلب كانت من هذا الصنف الأخير. ولعل من يقرأ تاريخها الممتد يدرك أن هذه المدينة لم تعرف الراحة إلا قليلا، فما كادت تخرج من مواجهة حتى تدخل أخرى، ولا كاد عدو ينصرف عنها حتى يتهيأ لها عدو جديد. فمن الروم والبيزنطيين، إلى الصليبيين، ثم المغول، ثم التتار، ثم الحملات المتعاقبة، بقيت حلب في مقدمة المواجهة، وكأن موقعها كتب عليها أن تكون باب الشام الشمالي، وحارسته التي لا تنام. ولذلك لم يكن غريبا أن يعقد ابن العديم في كتابه بغية الطلب في تاريخ حلب بابا بعنوان: "باب في بيان أن أهل حلب في رباط وجهاد." ثم أورد حديثا يروى عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أهل الشام وأزواجهم وذراريهم وعبيدهم وإماؤهم إلى منتهى الجزيرة مرابطون في سبيل الله، فمن احتل منها مدينة فهو في رباط، ومن احتل منها ثغرا من الثغور فهو في جهاد." وهذا الحديث أورده أيضا ابن عساكر، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، وقد تكلم أهل العلم في إسناده، فلا يبلغ درجة الأحاديث الصحيحة التي يحتج بها، وإن كان معناه العام يوافق ما عرف من منزلة ثغور الشام، وما ثبت في النصوص الصحيحة من فضل الرباط في سبيل الله، وفضل أرض الشام. والذي لا يختلف فيه اثنان أن حلب كانت عبر قرون طويلة من أعظم ثغور المسلمين. فلم تكن مدينة آمنة بعيدة عن ميادين الصراع، بل كانت الحصن الذي تتلقى عنده الشام أولى الضربات، وتقف على أسواره جيوشها الأولى. ومن هنا نفهم لماذا امتلأ تاريخها بالحصارات، ولماذا كانت مطمعا للقوى الكبرى في كل عصر. فمن يملك حلب، يفتح لنفسه باب الشام، ومن يخسرها، يخسر أحد أهم مفاتيحها. ولعل هذا هو السر في كثرة ما أصابها من المحن، لا لأنها مدينة عادية، ولكن لأنها كانت في أكثر مراحل تاريخها مدينة رباط، وثغرا من ثغور الإسلام، تحمل عن غيرها عبء المواجهة قبل أن يصل الخطر إلى سائر البلاد. وهذا ليس كلام المؤرخين وحدهم، بل تشهد له الجغرافيا، ويشهد له التاريخ، وتشهد له آثار الحصون والقلاع، ويشهد له ما حفظته المصادر الإسلامية من أخبار لا تكاد تنقطع عن غزوة، أو حصار، أو دفاع، أو فتح. ولذلك فإن دراسة تاريخ حلب ليست دراسة مدينة فحسب، بل هي دراسة لثغر ظل قرونا طويلة واقفا على باب الشام، يدفع عنها عدوان الطامعين، ويكتب بدماء رجاله صفحات من تاريخ الأمة. من كتاب ابن العديم باب في بَيَانِ أَنَّ أَهْل حَلَب في رباط وجهاد / أخبرنا سليمان بن الفضل بن سليمان البانياسي، فيما أَذِنَ لَنَا فِيهِ، واجتمعت به بحلب، قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن الحسن الحافظ (1)، قال: أخبرنا أبو الحسين عبد الرحمن بن عبد الله بن الحسن بن أبي الحديد، قال: أخبرنا جدي أبو عبد الله، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عوف بن أحمد المزني (ه)، قال: ه أخبرنا أبو العباس محمد بن موسى بن الحسين بن السمسار، قال: أخبرنا محمد بن خريم (6)، قال: حَدَّثَنَا هِشَام بن عمار، قال: حَدَّثَنَا مُعاوِيَةُ بن يحيى، قال: حَدَّثَنَا أَرْطَأَهُ، عن مَنْ حَدَّثَهُ، عن أبي الدَّرْدَاءِ، قال: قال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلَّم (۲) : أَهْلُ الشَّامِ وَأَزْوَاجُهم وذراريهم وعَبِيدُهُم وإماؤهم إلى منتهى الجزيرة مرابطون في سبيل الله، فَمَن احْتَلَّ منها مَدِينَةً فهو في رباط، ومَنْ احْتَلَّ منها ثغراً ١٠ من الثغور فهو في جهاد. ۱۰ وقال الحافظ أبو القاسم (۳) ، وأنبأنا أبو عبد الله محمد بن علي بن أبي العلاء المصيصي، وأبو محمد هبة الله بن أحمد الأكفاني، وأبو القاسم الحسين بن أحمد التميمي، وأبو إسحاق إبراهيم بن طاهر الخشوعي، قالوا: حدثنا أبو القاسم علي بن محمد بن أبي العلاء، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن حريز بن أحمد بن خميس السلماسي، ١٥ بغية الطلب لابن العديم قال: حدثنا أبو الحسن المُظَفَّر بن الحسن، قال: حدثنا أحمد بن عمير بن يوسف بن جوصا، قال: حَدَّثَنَا عَمرو بن عثمان، قال: حدثنا ابن حمير، عن سعيد البجلي، عن شهر بن حوشب، عن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: سيفتح على أمتي من بعدي الشام وشيكا، فإذا فتحها، فاحتلها، فأهل / الشام ه مرابطون إلى منتهى الجزيرة، رجالهم ونساؤُهُم وَصِبْيَانُهُم وَعَبِيدُهُم، فَمَنِ احْتَلَّ ساحلاً من تلك السواحل فهو في جهاد، ومَنْ احْتَلَّ بَيت المقدس وما حوله فهو في رباط. ( ب) أنبأنا أبو الحجاج يوسف بن خليل بن عبد الله الدمشقي، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أبي زيد الكراني، قال: أخبرنا محمود بن إسماعيل، قال: ١٠ أخبرنا أبو الحسين بن فَاذْشَاه، قال: حَدَّثنا أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، قال: حدثنا أحمد بن المعلى الدمشقي، قال: حَدَّثَنَا هِشَام بن عمار، قال: حَدَّثَنَا أبو مطيع مُعاوية بن يحيى، عن أرطاة بن المنذر، عن مَنْ حَدَّثَهُ، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله صَلَّى الله عليه وسلَّم: أَهْلُ الشَّامِ وأَزْواجهم وذراريهم وعبيدهم إلى منتهي الجزيرة مُرَابِطُونَ، فَمَن نَزَلَ مَدِينَةٌ من المَدَائِنِ ١٥ فهو في رباط، أو ثغراً من الثغور فهو في جهاد. شاد أنبأنا أحمد بن أزهر بن عبد الوهاب عن أبي بكر بن عبد الباقي، قال: أخبرنا أبو محمد الجوهري إذناً، قال: أخبرنا أبو عُمر بن حيويه (1)، قال: أخبرنا أحمد بن معروف إجَازَةً، قال: حَدَّثنا الحسين بن فهم، قال: حدثنا محمد بن سعد (٢)، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حَدَّثَنِي عَبْد الله بن عامر، قال: سَمِعْتُ ٢٠ أبان بن صالح يقول: سَمِعْتُ عُمر بن عبد العزيز يقول بدابق: نحن في رباط. (1) جوده في هذا الموضع فقط بضم المثناة التحتية وتشديدها: حيويه، ويرد فيما بعد على الوجه المثبت. (۲) ابن سعد: الطبقات الكبرى ٥ ٠٣٥٥ (2) في الأصل وفي ك المزكي، ومثله في أصول تاريخ ابن عساكر (۱: ۲۸۲)، فأصلحها المحقق، والصواب ما أثبت، وقد تقدم ذكره في سند الحديث السابق؛ آخر الباب قبله وانظر ترجمة المزني في: سير أعلام النبلاء ۱۷: ٥٥١٥٥٠ ، العبر في خبر من غير ٢ ٢٦٥ ، الصفدي: الوافي بالوفيات ٤ ٢٩٤، شذرات الذهب ه: ٠١٥٥ (b) في ك: خزيم، وتقدم التعليق عليه. (۱) تاريخ ابن عساكر ١: ٠١٤٤ (۲) مجمع الزوائد للهيثمي ١٠: ٦٠ ، كنز العمال للمتقي الهندي ٠٢٧٦:١٢ (۳) تاریخ ابن عساكر ۱: ۲۸۳، وانظر: الدر المنثور للسيوطي ٣: ٠٥٢٩ الدكتور محمد سعيد السلمو د. محمد سعيد السلمو