#من_وحي_الواقع الدكتور محمد سعيد السلمو د. محمد سعيد السلمو أستاذ مساعد في كلية الآداب والعلوم الإنسانية قسم الدراسات الإسلامية ما أكثر ما يطالعني بعض من غابت عنهم البصيرة قبل أن يغيب عنهم الرأي بتعليقات لا تحمل حجة ولا تقوم على بينة، وإنما تمتلئ بالطعن في علماء سورية عامة، وعلماء حلب خاصة، حتى ليخيل إلى القارئ أن التهمة قد أصبحت جاهزة، لا تحتاج إلى دليل، ولا تستند إلى واقعة، سوى أن أولئك العلماء بقوا في مدينتهم أيام المحنة، ولم يغادروها حين غادرها كثيرون، فكأن الثبات في الأرض صار عند بعض الناس خيانة، وكأن مفارقة الأهل والديار أصبحت هي المعيار الوحيد للصدق والإخلاص. ثم يزيدون على ذلك فيقولون: هذا الشيخ #صوفي، وكأنهم وجدوا في هذه الكلمة وحدها برهانا يغنيهم عن كل برهان، حتى غدا التصوف في أذهانهم تهمة تكفي لإسقاط الرجل، لا علما من علوم التزكية، ولا مسلكا عرفه جمهور من كبار علماء الأمة عبر القرون، فأصبح الانتماء إلى مدرسة روحية عندهم دليلا على العمالة، لا على التربية والإصلاح. وقد أعاد إلى ذاكرتي هذا المشهد خبر وفاة أحد علماء حلب الأفاضل قبل التحرير بمدة، فرأيت إحدى القنوات التي ترفع شعار الثورة على الظلم تنشر خبر وفاته بطريقة لا توحي بالأسى ولا تستدعي الدعاء، وإنما تستثير الغضب وتستنهض الأهواء، فإذا بسيل من التعليقات ينهال سبا وشتما وتجريحا، لا عن معرفة بالرجل، ولا عن دراسة لسيرته، وإنما عن تقليد أعمى وانقياد لما تصنعه العناوين المثيرة. وإن من أعجب ما آلت إليه أحوال الناس في هذا الزمان أن الإعلام، الذي كان ينبغي أن يكون منارة للوعي، أصبح في كثير من الأحيان آلة للتشويه، يوجه سهامه إلى العلماء أكثر مما يوجهها إلى أعداء الأمة، ويخاصم الذين رابطوا في أرض الشام، وثبتوا بين أهلهم، ولم يتركوا منابرهم ولا طلابهم، رغم ما أحاط بهم من خوف وضيق وابتلاء. ويتهمون هؤلاء العلماء بالعمالة، وليس في أيديهم إلا أنهم بقوا في أرضهم، وكأن الخيانة أصبحت أن يثبت الإنسان حيث ولد، وأن يتحمل مع قومه مرارة الأيام، وأن يعض على الحق بالنواجذ وهو لا يملك جاها ولا سلطانا ولا مالا يدفع عنه أذى الناس. فأي عميل هذا الذي يعيش حياة الكفاف، ولا يعرف طريقا إلى أصحاب النفوذ، ولا ينال من الدنيا إلا ما يقيم به أوده؟ ثم ترى من ينعم بأمن الغربة، أو يعيش في ظل من يدعمه وينفق عليه، يتنقل بين العواصم، ويصدر الأحكام على من بقي في الميدان، ويوزع صكوك الوطنية والخيانة وكأنها ملك يده، لا يسأل عن بينة، ولا يقف عند عدل. وما الخيانة الحقيقية إلا أن يفرح المرء بموت عالم لأنه يخالفه في منهج أو طريقة، أو لأنه ظنه خصما لفريقه أو جماعته، فيستقبل خبر وفاته بالشماتة، كأنه انتصر على عدو سياسي، لا أنه فقد عالما من علماء أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. وهنا تبلغ المفارقة غايتها، حين تتحول بعض المنابر التي ترفع شعارات التحرير إلى ساحات لتأليب الناس على العلماء، فينشر خبر وفاة أحدهم، فلا يكاد يسمع القارئ كلمة رحمة أو دعاء، بل يرى أبواب السباب قد فتحت، وكأن العلماء أصبحوا في ميزان بعض الناس سواء مع الطغاة، لا لذنب اقترفوه، إلا لأنهم صوفيون، أو لأنهم بقوا في بلدهم، أو لأنهم لم يغادروا أوطانهم كما غادرها غيرهم. فأين هؤلاء من وصايا النبي صلى الله عليه وسلم في فضل بلاد الشام؟ وأين هم من معاني الرباط والثبات؟ وأين هم من قول الله تعالى: {إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا}؟ لقد بقي أولئك العلماء بين أهلهم، يعلمون من بقي، ويثبتون من ضعف، ويؤدون رسالتهم حين انفض كثير من الناس، واشتدت الغربة، وعظم البلاء. ولكن الذي يحكم العقول اليوم في كثير من الأحيان ليس ميزان العلم، وإنما ضجيج الإعلام، فهو يصنع الأحكام قبل أن يعرف الحقائق، ويقيم المحاكم قبل أن يسمع الشهود، ويمنح الألقاب، وينزعها، ويرفع أشخاصا، ويهدم آخرين، حتى أصبح الترند عند كثير من الناس مقدما على البرهان، وأصبح المؤثر والناشط واليوتيوبر أقدر على توجيه الرأي العام من أهل العلم والاختصاص. وقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم، اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا." فرحمة الله على العلماء الذين ثبتوا حين اضطربت المواقف، وعلموا حين عز التعليم، وصبروا على ما أصابهم، وسكتوا حين كان السكوت حكمة، وتكلموا حين أصبح البيان أمانة لا يجوز تركها. ورحمة الله على من لقي ربه منهم وهو ثابت على عهده، لم يبع دينه، ولم يغير مبدأه، ولم يبدل وجهته. وأما الذين خدعتهم الأضواء، وأخذوا دينهم من ضجيج المنصات، فليتذكروا قول الله تعالى: {ستكتب شهادتهم ويسألون}، وليعلموا أن الكلمة الظالمة قد تقتل سمعة كما يقتل السلاح جسدا، وأن من يروج البهتان شريك في آثاره، كما أن من ينشر الكذب شريك في تبعاته، وأن الله يحكم بين عباده يوم لا تنفع الشعارات، ولا تنجي الضوضاء، وإنما ينفع الصدق والعدل والإنصاف. كلية الآداب والعلوم الإنسانية قسم الدراسات الإسلامية Generations and Technology University